التراجيديا ( قصيدة)
التراجيديا
(1)
الزمان والمكان مفتوحان
الزمان إلى حواف الوقت لزوبعة ساعة الحائط
التي تبتلع الوجوه و الأغاني والذكريات
المكان لآواخر الأفق لإتساع السماء
عبر الطرقات التي تبتلع العابرين
وعبر الحدود التي تلفظ اللاجئين
وعبر الأوطان التي لا يمكن لها ان تؤوي الغرباء ابدًا
على هذه الخشبة المستديرة المضاءة بالنجوم الميتة
سأغني أغنيتي
(2)
المسرح فضاء واسع وفي خلفية المشهد أنين، عابر عبر السنين
هل هذا بكاء الراحلين ام ما سيبقى من عويل القادمين
أصوات قدمين ستأتي ويظهر على الخشبة وجه دانتي
شاحبًا مما رآه وكل خوف قد إعتراه
: فرجيل يا أستاذي الرفيق
فرجيل يا نجمي الرقيق
فرجيل يا دليلي نبئني من أين الطريق
لقد عبرت دروب الهالكين وحدي ، لست أعرف منتهاها
جف قلبي من أساها وقطعتها آهًا فآها
في جو من الهلع بهيم
في جو من البؤس عقيم
قد نالني كل اللهيب
لكنك لست تجيب
من أين الطريق يا فرجيل؟.
ويمتلئ الفضاء عويل
صيحات ورعد ثقيل
(3)
عودة بالفعل المسرحي إلى الوراء
لنقطة في الماوراء
حيث السكون ، حيث الفرار من اللحون
الفضاء قاع البحر او اقبية بعيدة
وفرجيل مقيد الى الكرسي معصوب العينين
حوله ضباط يرتدون أقنعة البلياتشو
ووجه كارونت الباسم يضيئه مصباح متأرجح من السقف
إظلام كامل
كأنه ألتهم كل الضياء الذي كان ينقصنا
(4)
ضوء قرمزي اللون كأنه لحن الشروق
عبر الغيوم المضاءة بألوان الحنين
ودانتي يستيقظ ليرى نجمًا متواضعًا يدنو لينتشل الأفق
وهتف دانتي: فرجيل هل عدت إليا؟
لتفيض بالنور عليا
أهذه كفك الحانية التي ستبدد التيه الذي ظل يسكنني
فقال النجم حامل الآفاق كلا، سيظل التيه يحملك حتى تعيش في قلب الكهولة طفلا
وينبعث لحن ما خفيض
والنجم يسأل دانتي ماذا رأيت؟
لقد رأيت جحيم الضاحكين تصلوا وتصطخب أنين
لقد كانوا يصمون آذانهم عن الإنكسارات الواضحة
ويتجاهلون كل طوفان يغزوا العيون بعد ان اغرق القلوب والحناجر
ورأيت جحيم الخائفين خانعين مقيدين
بسلاسل لها أزيز ونشيج ورنين
فقد عاشوا صامتين
أمام بؤس الآخرين
محايدين حتى امام التافهين
ولأنهم لم يحرروا العالم من احزان غير ضرورية
سيمتد قيدهم لأزمنة لا نهائية
(5)
لقد رأيت جحيمًا لشعراء انشغلوا بشكل القصيدة
طويلة او مستطيلة
ونسوا ان يرسموا حزن العالم
لم يرسموا العابرين في الطرقات بوجوه يذويها الحنين
ولا الدروب الرمادية التي تضيع السالكين
لقد رحلوا دون ان يضموا الحائرين قليلًا
لقد رحلوا تاركين في حنجرة الأرض آلاف الصرخات المكتومة
تلك الأرض الطافحة بالأحزان النبيلة
الطافحة بالأحلام المستحيلة
وبأشكال الحب التي لا تنتهي
(6)
وسأله هل رأيت الجنة؟
فقال دانتي رأيتها في أحضان الأمهات
وفي ذروة الأناشيد السعيدة
رأيتها في الأراضي البعيدة
وفي شعاع الشمس على الاقاحي
في الندى وفي الأمل الصباحي
ورأيت فيها عمالًا وأطفالًا وفقراء
وأثرياء عاشوا يوزعون السرور والحلوى
رأيت فيها نساءً شُجاعات ورجالًا رحماء
الا انني ما مكثت فيها الا قليلا
إذ انشق من تحت اقدمي جرفًا طويلًا ... طويلا
يطل على الجحيم.
(7)
وظللت اطفو مع العديد من الأرواح التي لم تلتقفها خطاطيف النار
ولم تنتشلها أكف الجنة الحانية
ومضى بي مد الخواء في كل ارجاء الفضاء
حتى وجدت نفسي أمامك ها هنا فهل هذا هو المطهر؟
فقال النجم متذبذبًا في الأفاق يودعه
إنما هي الدنيا يا دانتي.
على هامش ملتقى السرد الخليجي اهدتني الكاتبة العمانية العزيز د.آمنة الربيع مسرحيتها البديعة في تفاصيلها والعميقة فيما تعريه من معاناة وعنوانها: آزاد وقد انتقتها من بين زاخر مؤلفاتها النقدية كوني لم اكتب في المسرح من قبل بل ولم احضر مسرحية واحدة في حياتي ، وقد اهدتني بذلك المؤلف العزيز رزمة جديدة من المفردات على نحو يشبه اهداء رسام حزمة فُرش جديدة او اهداء عازف وترًا جديدًا لم يجربه من قبل ، و متأثرة بالنقلات المسرحية والفاظها التي تمر بي او بالاحرى تسكنني للمرة الاولى كتبت هذه القصيدة ، فربما لن استطيع كتابة مسرحية تُمثل على خشبة مضاءة بأضواء ساطعة لكنني كما قلت في القصيدة سأظل اكتب عن هذه الخشبة المضاءة بالنجوم ، و أكاد أعي بأن دانتي كان ليخصص لي حلقة خاصةً في جحيمه لو علم اني احاول ان اجاري بكلماتي عمل حياته الا ان لنا دانتي وانا بل و آزاد ايضًا نصيبنا من المعاناة المشتركة .
برشلونة
٨/ أكتوبر/ ٢٠٢٢