(مرئيون بعين السرد) ورقتي بملتقى السرد الخليجي بعُمان 2022

 مـرئــيـون بعين السرد

السلام عليكم

الحضور الكريم  ينتابني سرور بالغ بتواجدي بينكم اليوم في عودة أثيرة لملتقى السرد الخليجي ، و اراكم انبعاثًا لمعجزة طفولية حيث انني لم اكن أؤمن في صغري بوجود الكتاب لاسيما ان الكتب التي كانت تتكاثر في منزلنا جعلتني أتصورها تتبرعم من الأرفف كما تتبرعم الأوراق من أغصان الشجر، كنت اؤمن ان تلك الأصوات العليمة التي تنبعث من بين احرفها عوالم من الصور والألوان والموسيقى معجزة نُسلم بوجودها بقدر ما نُسلم بسائر المعجزات الموجودة في العالم، لن انكر ان اكتشاف ان ثمة من يمتهنون صناعة الكتب كان محبطًا بالنسبة لي آنذاك إذ  كان يشبه اكتشاف الاطفال في أوربا بأن سانتا ليس حقيقيًا او اكتشافنا بأن ثمة عمال يصبغون السماء بالزرقة كل صباح كان ذلك مملًا الى حد بعيد.

لكن إيماني بتلك الأصوات لم يتزعزع يومًا فكل ما تخطه كان حقيقة بالنسبة لي وكلما تذكره فلأنه يستحق للذكر وكلما لا تأتي على ذكره مُستحق للنسيان ولم استوعب الا متأخرًا انها كثيرًا ما تنساني بل ولا تكاد تراني، فشعر الشخصيات الذي قلما لا يكون شلالًا حريرًا لم يكن على الإطلاق يشبه شعري او شعر أخواتي ولوقت طويل تساءلت ماذا يشبهه وحينما رأيت غابًا كثيفًا للمرة الأولى في حياتي قررت انه ذاك، لأكتب في نعي اختي الصغرى بعد سنوات

"عيناك نشيد لا يبالي بالضجيج وشعرك الغاب المطير

يا ضحكة الاضواء يا عرس الاماني و ابتسامات الغدير"

لم يتزعزع إيماني بالأصوات مطلقًا ولكن وبالتدريج بدأ يتزعزع ايماني بوجودي حيث اني لم اكن اعي ان تلك الأصوات كالمرايا وانني كنت انظر اليها ولا أرى انعكاسًا لي على الاطلاق ،  وحتى تلك التي تجتهد برسم صورة تشبهني عادة ما تكون مترنحة ما بين صورة تطبع الاساءة او صورة تطبع المعاناة، كل هذا افضى لاستيعابي لفكرة التشابه والاختلاف وبالنسبة لي وانا ابنة مكة تلك المدينة الغاصة باختلافات عديدة تلك المدينة التي أقول دومًا انها وان لم تكن مدينة ساحلية الا انها تطل على الأفق الشاسع المطل من وجوه القادمين ، لم أرى مطلقًا لماذا قد يشكل الاختلاف مشكلة لا سيما ان مدرستي كانت تبعد عن الحرم المكي ثلاث دقائق ولذا كنت أرى في طريق عودتي برفقة صديقاتي الأفغانيات الناس بكل اطياف اختلافاتهم وفُتنت بها وبكل الدهشة المؤجلة التي تعدني بها ، ادركت مبكرًا ان باكستان و كازاخستان وأفغانستان دول مختلفة رغم تشابه الإيقاع وان الرعاة والفلاحين في أسيا وافريقيا وأروبا مختلفون رغم تشابه المهن واننا في هذا العالم العملاق جدًا متشابهون دومًا مهما اختلفنا ، رأيت الاختلاف يهب للناس حرية مطلقة في ان يكونوا انفسهم و سبيلًا لمعرفتها من خلال الآخرين ورأيته يكسب الوجود ألقًا من الدهشة وأفقًا لا نهائيًا من الأسئلة ولذا شكل اصطدامي بالضد من وعيي ذاك أزمة عميقة زلزلت رؤيتي للحياة ، فلم أتصور انني قد ألقى أناس يريبهم الاختلاف بقدر ما يريبني التشابه وتفزعهم الأسئلة بقدر ما يفزعني غيابها و يمقتون الدهشة على كونها وقود الوجود بالنسبة لي، لم افهم ذلك مطلقًا وقررت انني لن افهم ابدًا ،حتى في عصر صدام الهويات هذا وتأزمها على نحو يشي بأن ذوبان الحدود  المكانية او الثقافية بين الناس لا يعني بالضرورة نجاحهم في إدارة اختلافاتهم بل وعلى النقيض قد يسهم في مضاعفة القلق الجمعي من الآخر كل آخر على نحو يصنع أرواح يؤرقها على الدوام فناء وهمي. 

 لن انكر انني في خضم كل ذلك الضجيج في العالم حولي وفي العالم داخلي شككت في جدوى الاختلاف وتصدعت في صميمي هاوية من الشك وضعتني على شفير التلاشي حيث اننا نتلاشى حين نفقد ايماننا ، كان الطريق وعرًا عبر تساؤلاتي وكان قلمي حاضرًا على كوني كنت اكثر الناس تشككًا بمدى قابليتي لأن أكون كاتبة ليس لشُح التجارب المشابهة التي كانت في متناولي وحسب ولكن لكون صوتي المتشكك والعصبي والغرير لا يشبه الأصوات العليمة الهادئة التي لطالما قرأت لها ولم اعرف سوى مؤخرًا ان هذه لم تكن سماتًا في صوتي بل في شخصيتي آنذاك وكل ما فعله صوتي هو ان نقلها بأمانة الى الورق ،الا ان ذواتي الكاتبة الآخذة في النمو والتشكل اغرتني بأن انسى انزعاجي ذاك لأتبع الأفق النامي داخلي ولا زلت أفعل.

اذكر اللحظات التي استحثتني على الكتابة بدئًا من المسابقات المدرسية الى اقتراح اختي الكبرى لي ان اجرب تدوين تخيلاتي بل قصص والدتي المفعمة بالترانيم و حتى حكايات جدتي التي تسردها على رهط من الأطفال كنت من بينهم ولازلت اذكرها جالسة على كرسي ابيض بلاستيكي بدى لي بمثابة عرش للحكاء تمنيت ان اعتليه يومًا، اذكرها بقدر وافر من الحنين كذكرى ما قبل ميلاد مد التشابه في عالمي وأعي اني آتي على ذكر ذلك مرارًا وتكرارًا  ليس لأنني احب ذلك فعلًا بل لأن مقت الاختلاف يتمخض عنه اعتى عدو لكل الجيوش الناعمة في العالم الوصم والأقصاء بوصفهما اكثر مظاهر العداء على الاختلاف الملازم لفكرة النمو الفردي والجماعي إضافة لما يترتب عليهما من تحديات فكرية وصحية واجتماعية حيث يُعرف الوصم على انه مجموعة من التصورات السلبية و الغير عادلة ازاء مجموعة من الناس نظير انتماءاتهم الدينية او العرقية او حالتهم الصحية او الاجتماعية وعلى ان الإقصاء هو اهم مآلته الحتمية الا ان اضراره تتسع لتشمل  العزلة  الاجتماعية ، تدني الشعور بالقيمة الذاتية،  الضغط النفسي ، و الشعور بالاغتراب وغياب الدعم الاجتماعي الى جانب انه قد يؤدي للجوء لسلوكيات التأقلم السلبية او ما يعرف بــ   maladaptive coping mechanismsوالتي تشمل عدد من السلوكيات الإدمانية، في قصتي غرفة تخص البؤس وحده كانت الشخصية الرئيسية "سلوى" فتاة موصومة بالقبح ليس من قبل الآخرين وحسب بل ومن قبل نفسها ايضًا و اعد الوصم الذاتي من اكثر اشكال الوصم شراسة وتدميرًا وقد يوضح ذلك مآل الشخصية في القصة أشير الى هذه القصة بالتحديد لكونها علمتني ان الأنماط الواصمة تشبه الفخاخ واننا كُكتاب قد نتحالف معها دون وعي منا بإعادة تصديرها للقارئ والتوكيد عليها ولذا تلك الشخصية في القصة ليس لها أي وصف جسدي على الإطلاق حيث انني لم ارد ان تسهم قصتي بإعادة ضخ معايير القبح على نحو يوقعني في التواطئي معها وللأسف هذه نقطة قد تفوت العديد من الكُتاب حتى في حين إعلان تحالفهم مع نضال فكري او آخر.

يفهم القليلون افتتاني بالفنتازيا وقدر اقل منهم يفهم علاقتها بمجابهة اشكال الوصم والعداء على الاختلاف والمسألة ان الفنتازيا تعطي الاختلاف اشكال لا حصر لها و انها تلغي تمامًا ادنى أرضية للتشابه فمن اشخاص يعيشون في ابعاد أخرى غير التي نعيش فيها الى كائنات بقدرات وحواس لا نملكها ناهيك عن اشخاص لا يقع التباين بينهم على طيف واحد من تدرجات الألوان الرملية بل على أطياف لا حدود لها من ألوان الفضائيين كل تلك الاختلافات الشاسعة التي لو ألفناها ستوضح لنا مدى بساطة وسطحية الاختلافات فيما بيننا. 

تقسم الكاتبة الأمريكية إن كيه جيمسن بناء العوالم الفنتازية الى قسمين البناء الكلي او macro-world building  والذي يتضمن رسم الأقطار و القارات ووضع القوانين البيئية و الفيزيائية التي تحكم العوالم البديلة، و البناء الجزئي micro- world building الذي يتضمن الأعراف والتقاليد و ديموغرافيا تلك العوالم وسائر اشكال الاختلافات بين سكانها من ثم إعطاء تلك الاختلافات معنى ولطالما استوقفتني هذه النقطة بالتحديد ليس فقط لأنها تذكرنا بأن المعاني التي نستخلصها من الاختلافات من صنعنا تمامًا حيث لا يوجد في الماضي او الحاضر ما يبرر وصم او اقصاء الآخرين ووحدها الطريقة التي نختار ان نخبر بها القصص هي ما تفعل ذلك، إضافة الى هذا وجدتها توضح جانبًا من قدرة الفنتازيا على إعادة صياغة سبل إداراتنا للاختلاف إما بتمثيله كما يمكن ان يكون عليه ايجابًا على نحو يدنينا من اليوتوبيا او ما قد يؤول إليه سلبًا على نحو ينحدر بنا الى الديستوبيا او ببساطة التعبير عنه كما هو على نحو يسمح لنا بنقد واقعنا بأعين جديدة .


فيكما يتعلق بروايتي المنشورتين مريما والجزء الأول من سلسلة أراضي الناما فكلتيهما روايتين فنتازيتين وإن كان يصعب فصل الأخيرة تمامًا عن الخيال العلمي ، تعتمد مريما بشكل أساسي على التاريخ اللفظي المتوارث لبعض قبائل الغرب الافريقي التي هاجرت منذ عدة قرون للمناطق المقدسة ومن ضمنهم عائلتي وقصة الهجرة غالبًا ما يتعامل معها بقدر من الحرص على تكرارها وتداولها نظير تباينها من عائلة لأخرى وكما قد يُعرف فإن التاريخ الأفريقي في مجمل أحواله ينقل شفهيًا 

تتحدث القصة عن فتاة من قبيلة رعوية في غرب أفريقيا تدفعها تعقيدات ظروفها الأسرية نظير رحيل والدها وأخيها الى الحج ليدفعها ذلك للقيام بفعل قد يعد انتحاريًا طيف الى قلب الغابة ومن هنا تدخل القصة طورها الفنتازي حيث تتعرف على براسي القادم من أرض قاصية تدعى فندارا يتعرف فيها الناس على انتماءاتهم القبلية بالنظر طويلًا في أعين بعضهم التي سرعان ما ينبعث في سوادها نثار من بريق بألوان تشي بتلك الانتماءات فإن كان البريق عسليًا فهو من الفندار وان كان اخضرًا فمن الكالا وان كان ازرقًا فهو من الزينكا اما عن ما يستطيعون فعله فهو تحريك الأشياء بخيوط دقيقة لا ترى وتعد قوتها معيارًا للفروسية والغلبة فيما بينهم وتخوض الشخصية بعدها نضالات عدة في محاولة للعودة لعائلتها

وأقر بأنني رغم ما لاقته مريما من عظيم الاحتفاء الذي لم يخلوا من النقد كنت اجد في نفسي شعورًا عميقًا بعدم الرضى الذي لا يتعلق بالفكرة او بالطراز الفني  وأكتشف اخيرًا انه متعلق بإفقاري للمعرفة كانت أفريقيا بالنسبة لي مكانًا متخيلًا ومجهولًا علي ان أكون على صلة به لأن تاريخي الشخصي تفرع عن تاريخه الكلي ولأنه السبب الذي يعزى إليه اختلافي 

ولم يشبع التاريخ اللفظي للعائلة فضولي على الإطلاق بل ضاعفه ولم يسهل خداعي بفكرة ان تلك المناطق لا تاريخ لها ببساطة لان ذلك يشكك في إنسانيتها فحيثما كان الإنسان يوجد التاريخ وعمر الأمم أطول دائمًا من عمر مآسيها

ووجدت في أراضي الناما دافعًا لذلك البحث الذي تأزمت في بدئه من شُح المعلومات الموجودة بالغة العربية والانجليزية ومن التشويه الناشز الذي يعتري عددًا منها ولكن كانت تلك العتبة قبل ان ألج عوالم ضيعتني فهمت منها ان جزء من الاستعمار ، استعمار الذاكرة وإعادة صياغة تاريخ الشعوب على نحو يمحق هويتها لكنني لم أتجاوز دهشتي مطلقًا من عدد الممالك والامبراطوريات والشعوب بكافة قصصها ونضالاتها وحروبها وموسيقاها وفلسفتها كل هذا الثراء الذي حُرمت منه خارطة الذاكرة الإنسانية لهذا العالم وفي حين أني وجدت صعوبة من شح المعلومات في البدء وجدتني أعاني من وفرتها على نحو جعلني أسلم بعجزي عن جمع كل ذلك في سلسلة واحدة بل وحتى في ان اشك في قدرة الفنتازيا او قدرتي انا على الصمود أمام تحدي من هذا النوع ، ان تخبر اكثر حقيقة منسية عن طريق اكثر اشكال الكذب تطرفًا

تنطلق أراضي الناما عن اسطورة شعبية متداولة في منطقة الحجاز عن مخلوقات تدعى النمنم وتتباين أوصافها من منطقة لأخرى ومن  أناس لأخرين احدى المرويات ترسمهم قبيلة تعود أصولها لغرب افريقيا لذا انتهيت لاستخدامهم كمؤرخ موازي لكل ما جرى على مدار الأزمنة داخل القارة وخارجها أولئك الذين رأوا كل شيء وأولئك الذين لم يتأثروا بقدر سائر ساكني المنطقة بمختلف الفواجع التاريخية لذا قد يعد واقعهم نوعًا من اليوتوبيا المبني على تخوم ديستوبيا الواقع لا أود ان استفيض في الحديث عن العمل بما انه لا يزال قائمًا وهذه فلسفة صنائعية اتبناها بها نوعما 

لن اتجرد يومًا من دهشتي امام الكلمات وسأظل أرى السحر الناجم عن انبعاث العوالم والاصوات والموسيقى من السطور السوداء على الورق على نحو يعدني كالحياة و كالاختلاف بقدر مديد ولا نهائي من الدهشة أمام الجمال لا امام القُبح وأعي الى أي مدى قد يعد ذلك صعبًا في ظل العديد من التحديات الإنسانية من حولنا تلك التي تُحمل كل صُناع الجمال والمعنى مسؤولية عملاقة متمثلة في النُبل الملازم للالتفات لكافة الموشكين على التلاشي في هذا العالم وفي رؤيتهم على نحو يسمح لهم برؤية انفسهم ورؤية واقعهم مما يتيح لهم إعادة صياغته وبناءه ، ختامًا اشكر سلطنة عمان ممثلة في وزارة الثقافة والرياضة والشباب على طيب الاستضافة وحسن الاستقبال واشكر هيئة الأدب والنشر ووزارة الثقافة بالمملكة العربية السعودية على كافة الجهود الواعدة واشكركم جزيلًا... جزيلًا  على طيب الإنصات.


31Aug2022

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ستة وعشرون نبتة زامايا

التراجيديا ( قصيدة)